ابن عربي

261

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

السنة ، فإنه أفضل الشهور ، وجعله من الشهور القمرية حتى تعم بركته جميع شهور السنة ، فيظهر في كل شهر من شهور السنة الشمسية ، فيحصل لكل يوم من أيام السنة حظ منه ، فأضاف اللّه الشهر إليه تعالى من اسمه رمضان ، وهو اسم غريب نادر ، ورد الخبر بذلك ، روى أبو أحمد بن عدي الجرجاني عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى ] لذلك قال تعالى : « شَهْرُ رَمَضانَ » ولم يقل رمضان ، « الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » أي في صومه أي في إيجاب صومه القرآن بقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) خرج مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : [ إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفّدت الشياطين ] زاد النسائي في كتابه [ ونادى مناد في كل ليلة يا طالب الخير هلم ، ويا طالب الشر أمسك ] فنزل القرآن بصوم شهر رمضان على التعيين دون غيره من الشهور ، فما فرض اللّه الصوم الذي لا مثل له في العبادات ابتداء إلا في شهر سماه سبحانه باسم من أسمائه ، فلا مثل له في الشهور ، لأنه ليس في أسماء شهور السنة من اسم تسمى به اللّه إلا رمضان ، والصوم صفة صمدانية يتنزه الإنسان فيها عن الطعام والشراب والنكاح والغيبة ، وهذه كلها نعوت إلهية يتصف بها العبد في حال صومه ، والقرآن الجمع ، فلهذا جمع بينك وبينه في الصفة الصمدانية وهي الصوم ، فما كان فيه من تنزيه فهو للّه ، فإنه قال الصوم لي ، ومن كونه عبادة فهو لك ، ثم إن اللّه تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر في أفضل ليلة تسمى ليلة القدر ، فإن اللّه أنزل الكتاب فرقانا في ليلة القدر ليلة النصف من شعبان ، وأنزله قرآنا في شهر رمضان ، كل ذلك إلى السماء الدنيا ، ومن هناك نزل في ثلاث وعشرين سنة فرقانا نجوما ذا آيات وسور لتعلم المنازل وتتبين المراتب ، فمن نزوله إلى الأرض في شهر شعبان يتلى فرقانا ، ومن نزوله في شهر رمضان يتلى قرآنا ، فأنزل القرآن فيه « هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ » من كونه رمضان ، وأما من كونه في ليلة القدر فأنزله كتابا مبينا أي بينا أنه كتاب ، وبين كون الشيء كتابا وقرآنا وفرقانا مراتب متميزة يعلمها العالمون باللّه ،

--> رمضان ] ولم يذكر لفظة شهر لأنه أمن الالتباس في ذلك ، إذ الغرض التعريف عند السامع بما قصده المتكلم ، قال تعالى : « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » في هذا دليل على أن ليلة القدر تكون في رمضان لأنه قال : ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) يعني القرآن ، يقال نزل إلى السماء